تقرير / سجاد العيساوي
في أزقة النجف القديمة حيث تفوح رائحة الكتب المخطوطة وتتردد أصداء المناظرات العلمية تتربع “الحوزة العلمية” كواحدة من أقدم وأعرق المؤسسات التعليمية في العالم الإسلامي. هي ليست مجرد مدرسة دينية بل هي كيان فكري صمد لأكثر من ألف عام مصدراً للعلم ومنطلقاً للمواقف التاريخية الكبرى.
تأسست الحوزة العلمية على يد الشيخ الطوسي (المعروف بشيخ الطائفة) في عام 448 هجرية بعد انتقاله من بغداد إلى النجف. منذ ذلك الحين تحولت المدينة من مجرد مجاور للمرقد العلوي الشريف إلى عاصمة فكرية تقصدها الوفود من شتى بقاع الأرض (الهند – باكستان -إيران- لبنان- ودول الخليج) لطلب العلم.
ما يميز حوزة النجف هو نظامها التعليمي الذي يصفه الخبراء بأنه “أكثر الأنظمة ديمقراطية في التعليم” حيث:
1- حرية اختيار الأستاذ: يحق للطالب اختيار الأستاذ الذي يقتنع بطرحه العلمي.
الحوار المفتوح: يعتمد التدريس على “المناقشة” و”الاعتراض العلمي” حيث لا تُقبل المعلومة دون دليل ومناقشة حادة بين الطالب وأستاذه.
2- المراحل الدراسية: تنقسم الدراسة إلى ثلاث مراحل (المقدمات، السطوح، والبحث الخارج) وهي المرحلة العليا التي تؤهل الطالب لدرجة “الاجتهاد”.
تضم النجف مكتبات تاريخية لا تقدر بثمن مثل “مكتبة الإمام كاشف الغطاء” و”مكتبة الروضة الحيدرية”. تحتوي هذه الخزائن على آلاف المخطوطات النادرة في الطب – الفلك- -الرياضيات – والفلسفة – مما جعلها مقصداً للباحثين والمستشرقين من مختلف الجامعات العالمية.
لم تنعزل الحوزة يوماً عن واقعها فكانت دوماً صمام أمان للمجتمع. من “ثورة العشرين” ضد الاستعمار البريطاني وصولاً إلى المواقف الحديثة في حماية السلم الأهلي ومحاربة الإرهاب ظلت النجف بمرجعيتها العليا تمثل ثقلاً أخلاقياً ووطنياً يتجاوز الحدود الطائفية والجغرافية.
تبقى الحوزة العلمية في النجف الأشرف أكثر من مؤسسة إنها رمز للهوية الفكرية وجسر يربط الماضي بالحاضر. وكما يقول الباحثون فإن “النجف هي الجامعة التي لا تغلق أبوابها والمدرسة التي لا تنتهي حصصها” لتبقى منارة فكر تضيء دروب المعرفة للأجيال القادمة.

التعليقات مغلقة ، لكن٪ strackbacks٪ s و pingbacks مفتوحة.