في خطوة تعزز حضور الشباب في صناعة الحلول الرقمية وتفتح مسارات جديدة للتعاون بين الإعلام والتكنولوجيا والمجتمع المدني، عقدت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، بالشراكة مع مجموعة من منظمات المجتمع المدني والمراكز المتخصصة في إقليم كردستان العراق، ورشة عمل تعريفية وتدريبية في مدينة السليمانية، خُصصت للتعريف بـهاكاثون الابتكار الرقمي للشباب، وتشجيع تحويل الأفكار الإبداعية إلى تطبيقات ومبادرات عملية تسهم في مواجهة التضليل المعلوماتي وخطاب الكراهية والمحتوى الضار على منصات التواصل الاجتماعي.
وجاءت الورشة ضمن مشروع «تواصل اجتماعي من أجل السلام» (Social Media 4 Peace)، الذي تنفذه اليونسكو بتمويل من الاتحاد الأوروبي، في إطار جهودها الرامية إلى تمكين الشباب والمؤسسات الأكاديمية والمجتمع المدني من تطوير استجابات مبتكرة للتحديات المتنامية في البيئة الرقمية، وتعزيز التربية الإعلامية والمعلوماتية وحرية التعبير والتماسك الاجتماعي.
وجمعت الورشة شباباً وصحفيين وصنّاع محتوى ومؤثرين ومطورين ومهتمين بالتكنولوجيا والابتكار من مدينة السليمانية وإقليم كردستان، في مساحة تفاعلية جمعت بين التفكير الإبداعي والمعرفة الإعلامية والمهارات التقنية، وسعت إلى بناء فهم مشترك لكيفية الانتقال من تشخيص المشكلات الرقمية إلى تصميم حلول قابلة للتطبيق والتطوير.
من فهم التحديات إلى ابتكار الحلول
لم تقتصر الورشة على تقديم معلومات عن الهاكاثون وآليات المشاركة فيه، بل تضمنت جانباً تدريبياً ركز على كيفية صياغة الأفكار الابتكارية، وتحديد المشكلات التي تستهدفها، وتحويلها إلى مقترحات مشاريع ذات أهداف واضحة وقيمة مجتمعية ملموسة.
وتناول التدريب العلاقة المتنامية بين الذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية وتشكيل الرأي العام، والتحديات المرتبطة بانتشار المعلومات المضللة، والتلاعب بالصور ومقاطع الفيديو، والتزييف العميق، وخطاب الكراهية، فضلاً عن الفرص التي تتيحها التقنيات الحديثة لتطوير أدوات التحقق من المعلومات وتعزيز التفكير النقدي وحماية المستخدمين.
كما ناقشت الورشة إمكانات توظيف البرمجة وتصميم التطبيقات والإنتاج الإعلامي التفاعلي في تطوير حلول تستجيب للاحتياجات الفعلية للمجتمع، وتجمع بين الابتكار التقني والمسؤولية الأخلاقية واحترام حقوق الإنسان.
وشكلت هذه المقاربة محوراً أساسياً في التدريب، انطلاقاً من أن مواجهة المخاطر الرقمية لا تتحقق بالأدوات التقنية وحدها، بل تتطلب أيضاً فهماً للسياقات الاجتماعية والثقافية والإعلامية التي تنتشر فيها المعلومات، وقدرة على تصميم حلول تراعي التنوع المجتمعي وتحمي حرية التعبير وتحد من الأضرار الرقمية.
الهاكاثون بوصفه مختبراً للأفكار الشبابية
وقدمت اليونسكو خلال الورشة عرضاً لمفهوم الهاكاثون وأهدافه ومساراته، موضحةً أنه يمثل فرصة عملية لتمكين الشباب من تطوير أفكارهم ضمن بيئة تجمع بين التدريب والتوجيه والعمل الجماعي والتجريب.
واستعرضت الورشة المجالات التي يمكن أن تتناولها المشاريع المشاركة، بما فيها التطبيقات الذكية للتحقق من الأخبار، والأدوات المساعدة على اكتشاف المحتوى المتلاعب به، والحلول الرقمية لمواجهة خطاب الكراهية، والمنصات التعليمية التي تعزز التربية الإعلامية والمعلوماتية، والمبادرات التي تستخدم التكنولوجيا لمد جسور الحوار وتعزيز التماسك الاجتماعي.
كما تعرف المشاركون إلى المبادئ العامة لتقديم المقترحات، وكيفية تحديد المشكلة والفئات المستفيدة، وشرح الحل المقترح، وإبراز عناصر الابتكار والجدوى التقنية والأثر المتوقع، إلى جانب أهمية مراعاة الخصوصية والأمان الرقمي وعدم التمييز في تصميم المنتجات والخدمات التكنولوجية.
ووفرت المناقشات التفاعلية فرصة للمشاركين لطرح أفكار أولية واستكشاف إمكانات تطويرها، والاستفادة من تبادل الخبرات بين الصحفيين والمطورين وصنّاع المحتوى والمهتمين بالشأن المجتمعي، بما يعزز فرص بناء فرق متعددة التخصصات قادرة على تقديم حلول تجمع بين الخبرة الإعلامية والقدرة التقنية والفهم المجتمعي.
شراكة بين الإعلام والتكنولوجيا والمجتمع المدني
وأبرزت الورشة أهمية الدور الذي يمكن أن تؤديه منظمات المجتمع المدني والمراكز المتخصصة والجامعات والمؤسسات الإعلامية في رعاية الابتكار الشبابي، ولا سيما في البيئات التي تتطلب استجابات محلية تراعي الخصوصيات اللغوية والثقافية والاجتماعية.
وفي هذا السياق، شكلت السليمانية محطة مهمة لتعزيز مشاركة شباب إقليم كردستان في المبادرات الوطنية للابتكار الرقمي، وتوسيع فرص التواصل والتعاون بين المبدعين والمطورين والصحفيين وصنّاع المحتوى من مختلف مناطق العراق.
كما أكدت موضوعات التدريب أن الصحفي لم يعد مجرد ناقل للمعلومات، وأن صانع المحتوى لم يعد مجرد منتج للمواد الرقمية، وأن المطور لا يعمل بمعزل عن المجتمع؛ إذ أصبح التكامل بين هذه الأدوار أساسياً لبناء أدوات ومنصات أكثر مسؤولية وقدرة على معالجة التحديات الرقمية.
ومن هذا المنطلق، يسعى الهاكاثون إلى تشجيع نماذج جديدة من التعاون، تتحول فيها المعرفة الصحفية إلى متطلبات لتطوير التطبيقات، وتتحول المهارات البرمجية إلى أدوات لخدمة المصلحة العامة، وتصبح الأفكار الشبابية نقطة انطلاق لمبادرات مستدامة.
وتندرج هذه المبادرة ضمن رؤية أوسع لليونسكو تهدف إلى تعزيز دور الشباب العراقي في تطوير حلول وطنية للتحديات الرقمية، وفتح المجال أمام مشاركة أكثر تنوعاً من مختلف المحافظات، بما فيها إقليم كردستان.
كما تسعى إلى تشجيع الابتكارات التي لا تكتفي بتشخيص مظاهر التضليل والكراهية والمخاطر الرقمية، بل تقدم بدائل عملية تسهم في تحسين جودة المعلومات، ورفع الوعي العام، وتعزيز الثقة والحوار والمشاركة المسؤولة في الفضاء الرقمي.
وتؤكد اليونسكو من خلال هذه المبادرة أهمية الاستثمار في قدرات الشباب بوصفهم شركاء في تصميم مستقبل البيئة الرقمية، وليسوا مجرد مستخدمين للتكنولوجيا أو متلقين للمحتوى.
فالابتكار الحقيقي لا يبدأ من تعقيد التكنولوجيا، بل من قدرة فكرة بسيطة على معالجة مشكلة حقيقية، وتحويل المعرفة إلى أثر إيجابي في حياة الناس.

التعليقات مغلقة ، لكن٪ strackbacks٪ s و pingbacks مفتوحة.